❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
فتحي الذاري
2شوال 1446هـ
تعتبر المواجهات مع الصهيونية علامة فارقة في تشكيل النظام العربي على مدار العقود الماضية، حيث أثرت هذه المواجهات بشكل عميق على الديناميات السياسية والاجتماعية في المنطقة. منذ بدايات القرن العشرين شهد العالم العربي تصاعدًا في التوترات والنزاعات الناتجة عن الصراع العربي-الإسرائيلي مما أدّى إلى إحداث تغييرات جذرية في نماذج الحكم والتوجهات السياسية تبدو معالم هذا التغيير واضحة من خلال محطات بارزة في التاريخ العربي الحديث بدءًا من النكبة عام 1948 وما تلاها من حروب وصراعات، وصولاً إلى اتفاقيات السلام التي شهدتها السنوات اللاحقة كل من تلك المحطات أسهمت في إعادة تشكيل الهوية الوطنية والعربية، وضعت الأسس لصراعات جديدة وأثرت على العلاقات بين الدول العربية بعضها ببعض فضلاً عن تعزيز مشاعر المقاومة والصمود لدى الشعوب العربيةحول المواجهات التاريخية والأثر المستدام الذي تركته على الأنظمة السياسية والاجتماعيةو كيف تم استخدام قضية فلسطين كمرجعية ومحفز للتغيرات السياسية والاجتماعية في العالم العربي
بدأت الأمور في عام 1948 حين أسفرت حرب فلسطين عن تجزئة الوعي العربي. كانت الحرب كفيلة بزيادة دور الجيوش العربية كحاميات للأوطان ومنافذ لتعزيز السيادة. هذا المفهوم الجديد للجيوش وضعها في موضع الشارع العربي كرمز للقوة والشجاعة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن هشاشة تلك الأنظمة في مواجهة تحديات العدو
وثم جاء عام 1956 الذي شهد أزمة قناة السويس، مما غذى روح القومية في العالم العربي. كانت تلك المرحلة علامة على وحدة الشعوب العربية تحت راية القومية، لكنها لم تدم طويلاً حيث بدأت الفوارق تظهر بين الأنظمة السياسية المختلفة، مما قاد إلى تصدعات داخلية أدت إلى انقسامات في الصف العربي
عام 1967 كان نقطة تحول مؤلمة إذ أسفرت النكسة عن تغييرات جذرية في النظام العربي وأسقطت مصر كقوة قيادية هذا السياق أفضى إلى صعود الإسلام السياسي كبديل اجتماعي وثقافتي حيث أظهرت هذه المرحلة كيف أسهم الإخفاق العسكري في دفع المجتمعات نحو التفكير في هويات أيديولوجية بديلة.
مع الوقت بدأ الصراع العربي والاحتلال الإسرائيلي يشكل ظلًا ثقيلًا على كل تلك الأنظمة، محركاً القوى الداخلية وصانعاً لأزمات جديدةحيث أفرزت الأحداث المتتالية مشاعر من الإحباط والغضب في نفوس الشعوب الأمر الذي قاد بالتالي إلى تغيير مفاهيم الوطنية والتضحية في خضم هذا الصراع المستمر
وفي عام 1973، كانت الحرب العربية الإسرائيلية بمثابة إعلان انتهاء فترة النظام العربي الموحد. ورغم بعض النجاحات العسكرية، إلا أن النتائج السياسية كانت مفاجئة وكشفت عن استراتيجية مُعطلة في العمل العربي المستدام زفي السنوات الأخيرة بدأ يظهر "طوفان الأقصى" كحركة جديدة تتميز بتصعيد كبير في المقاومة الفلسطينية مع تراجع دور الجيوش التقليدية. إن فقدان الثقة في الجيوش كحلول عسكرية يوحي بقدوم نماذج جديدة من المقاومة، في مقدمتها حركة حماس.
تشير التدخلات الإيرانية إلى استغلال الفراغات الناتجة عن التجاذبات الإقليمية، بينما تبرز جبهة اليمن بقيادة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي كطرف داعم متميز لغزة، مما يؤكد عمق الانتماء العربي والإسلامي. هذا التعاون بين الأطراف يؤكد تحولات في موازين القوى وولادة جديدة لمشاعر تضامن حقيقية على الرغم من التحديات الراهنةإن صمود حماس والدور الذي تلعبه إيران ومساندة جبهة اليمن يمكن اعتباره محوراً في سياق الصراع العربي مع الصهيونية. يلزم أن يكون هناك إعادة تقييم للواقع العربي من أجل استعادة الفعالية والتضامن الحقيقي في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة.
تستمر ملامح جديدة تتشكل داخل النظام العربي مما يستوجب رؤية استراتيجية جديدة تسهم في تعزيز العمل العربي الموحد هذه الرؤية يجب أن تتجاوز الانقسامات والسجالات التاريخيةلتضع الأسس لعمل جماعي فعال يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع المستجدات الإقليمية والدوليةوتحقيق الاستقلال والسيادة الحقيقية في مواجهة الصهيونية يتطلب تكامل الجهود بين الدول العربية والمجتمعات والشعوب لا بد من إسهام الأجيال الجديدة في صياغة سياسات تؤكد تطلعاتهم وآمالهم وتجسد روح التضامن والتعاون اللازم لمواجهة التحديات. فالشباب هم عماد المستقبل ودمج طاقاتهم وإبداعاتهم ضمن استراتيجيات الأمة هو السبيل لتحقيق الأهداف المنشودةعلاوة على ذلك ينبغي تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية التي تدعم قضايا العرب مع الاستفادة من التجارب الناجحة في مجالات مبتكرة. إن تبادل المعرفة والخبرات سيكون عامل تمكين حاسم يساعد على بناء مستقبل أفضل يسهم في رسم مسارات جديدة نحو السلام والعدل.
الدعوة إلى العمل العربي الموحد ليست مجرد فكرة طوباوية، بل هي ضرورة ملحة لتوحيد الصفوف أمام التحديات الجسام. فلنُعِدَّ العدة ونعمل معاً من أجل خلق بيئة تعزز الاستقرار والازدهار، ولنعطي الأمل للأجيال المقبلة في تحقيق استقلالهم وسيادتهم الحقيقية. إن بناء مستقبل أفضل للعالم العربي يتطلب إيماناً قوياً بالقدرة على تغيير الواقع، وإرادة حقيقية للعمل الجماعي من أجل غدٍ مشرق.